الشيخ محمد رشيد رضا
150
الوحي المحمدي
الطبيعة ، ويقيسون ما لم يظهر لهم تعليله على ما اقتنعوا بتعليل له وإن لم يقم عليه دليل يثبته ، ويقولون إن ما لم يظهر لنا اليوم فلا بد أن يظهر لنا أو لمن بعدنا غدا . وهذا دأبهم في جميع نظرياتهم العلمية إذ ليس عندهم علم قطعي بشيء منها ، وهذا مرادهم من تسميتها بالنظريات ، فمعناها المسائل الموضوعة للنظر والبحث والاستدلال « 1 » . سنن اللّه في عالم الشهادة وعالم الغيب : ونحن معشر المؤمنين بعالم الغيب وما فيه من الملائكة - وهم جند اللّه الأكبر - وما لهم من التأثير والتدبير في عالم الشهادة المادي بإذن اللّه تعالى وتسخيره ، نعتقد أن للّه تعالى سننا في نظام ذلك العالم غير سننه الخاصة بعالم المادة ، وأن الإنسان هو حلقة الاتصال بين العالمين ، فجسده ووظائفه الحيوية من عالم الشهادة ، وروحه من عالم الغيب ، وهو ما دام في عالم الجسد المادي فإن جميع مداركه تكون مشغولة بعالم المادة وسننها ، وحاجاته الشخصية والنوعية منها ، فيحجبه ذلك عن عالم الروح الغيبي حتى روحه وهي الفصل المقوم لحقيقته ، وإنما يكون الظهور والسلطان للروح على الجسد في الحياة الآخرة ، إلا من اصطفى اللّه تعالى من رسله وأنبيائه فأعدّهم بفضله ورحمته للاتصال بملائكته والتلقي عنهم ، وأظهرهم على ما شاء من غيبه ليبلغوا عباده عنه ما أمرهم به ، وقد يشرف غيرهم من الأصفياء وأصحاب الرياضات النفسية على بعض الخواص الروحية دون ما يطلع عليه اللّه أنبياءه ورسله عليهم السلام . الغيب قسمان حقيقي وإضافى : الغيب : ما غاب علمه عن الناس ، وهو قسمان : غيب حقيقىّ لا يعلمه إلا اللّه ، وغيب إضافىّ يعلمه بعض الخلق دون بعض لأسباب تختلف باختلاف الاستعداد الفطري والعمل الكسبى ، ومن أظهره اللّه على بعض الغيب الحقيقي من رسله فليس لهم في ذلك كسب لأنه من خصائص النبوة غير المكتسبة « 2 » .
--> ( 1 ) لا يزال يظهر للباحثين ما ينقص ما كانوا يعدونه من أثبت القواعد ، ونقل إلينا أخيرا أن الأستاذ شينلجو ألف كتابا في سر فلسفة القدر ، نقض فيه جميع قواعد العلوم والفنون ، وأسند كل شئ من أطوار الكون إلى القضاء والقدر . ( 2 ) يراجع تحقيق هذا الموضوع بالتفصيل في الصفحات 421 - 456 - 469 من الجزء السابع ، وملخصه ( ص 513 ) من الجزء التاسع - تفسير المنار .